الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

313

نفحات الولاية

القسم التاسع أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، إِلَى الْاخِرِينَ مِنْ هذَا الْعَالَمِ ؛ بِأَحْجَار لَاتَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ . فَجَعَلَهَا بَيْتَهُ الْحَرَامَ « الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قِياماً » . ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً ، وأَقَلِّ نَتَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً ، وأَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قُطْراً . بَيْنَ جِبَال خَشِنَة ، ورِمَال دَمِثَة ، وعُيُون وَشِلَة ، وقُرًى مُنْقَطِعَة ؛ لَايَزْكُوبِهَا خُفٌّ ، وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظِلْفٌ . ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ووَلَدَهُ أَنْ يَثْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ ، فَصَارَ مَثَابَةً لِمُنْتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ ، وغَايَةً لِمُلْقَى رِحَالِهِمْ . تَهْوِي إِلَيْهِ ثِمَارُ الأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَار سَحِيقَة ومَهَاوِي فِجَاج عَمِيقَة ، وجَزَائِرِ بِحَار مُنْقَطِعَة ، حَتَّى يَهُزُّوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلًا يُهَلِّلُونَ للَّهِ حَوْلَهُ ، ويَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعْثاً غُبْراً لَهُ . قَدْ نَبَذُوا السَّرَابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ ، وشَوَّهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ مَحَاسِنَ خَلْقِهِمْ ، ابْتِلَاءً عَظِيماً ، وامْتِحَاناً شَدِيداً ، واخْتِبَاراً مُبِيناً ، وتَمْحِيصاً بَلِيغاً ، جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِرَحْمَتِهِ ، ووُصْلَةً إِلَى جَنَّتِهِ . الشرح والتفسير : الدروس والعبر في بيت اللَّه سلك الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الخطبة سبيلًا آخر لمتابعة الغاية الأصلية التي تتمثل في القضاء على التكبر والدعوة للبساطة والتواضع ليشرحه بعبارات غاية في الروعة والجمال والبلاغة بحيث عجز البلغاء والفصحاء أن يأتوا بمثلها فقال : « أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، إِلَى الْاخِرِينَ مِنْ